عن أيّة ديمقراطيّة نتحدّث؟ / بقلم: علي بلحاج

كتبهاالقومي التقدمي ، في 7 يونيو 2009 الساعة: 14:21 م

 

عن أيّة ديمقراطيّة نتحدّث؟

بقلم: علي بلحاج

منذ هزيمة 5 يونيو 1967، أو قبيلها، أخذ النقاش يتزايد حول مشكلة الديمقراطيّة في الوطن العربيّ. ولئن كان أعداء المشروع القوميّ العربيّ هم الساعين إلى تفجير النقاش وتوجيهه الوجهة التخريبيّة فإنّ المشكلة لم تكن تخفى عن كلّ مناضل قوميّ حقّ يشغله مستقبل الوطن العربيّ في ظلّ دولة الوحدة أو حتّى في ظلّ الدول العربيّة الإقليميّة. وليس الدافع وراء هذا الانشغال هو أنّ الاستبداد كان السبب الرئيس في الهزيمة العسكريّة، كما يريد البعض أن يوجّه الحديث، بل الدافع الفعليّ هو أنّ سؤال الديمقراطيّة كان يبحث عن إجابة حقّا. إنّ على الفكر القوميّ أن يجد إجابة عن سؤالين مركزيّين لا يطرحهما أعداء المشروع القوميّ فحسب بل يثيرهما التفكير المنهجيّ العلميّ ذو الأساس البسيط: ما ينفع الناس. وأوّل السؤالين هو: كيف نضمن أن يكون نظام دولة الوحدة العربيّة نظاما ديمقراطيّا؟ والسؤال الآخر هو: إذا ما سلّمنا أنّ الإطار الموضوعيّ الحقيقي ّ لممارسة الديمقراطيّة في الوطن العربيّ هو دولة الوحدة فكيف نتعامل مع الواقع الإقليميّ الاستبداديّ؟ وبلغة أخرى: أليس من مهمّات القوميّين أن يناضلوا من أجل الديمقراطيّة في ظلّ الحكم الإقليميّ للوطن العربيّ؟ وإذا كانت الإجابة عن السؤال الأوّل ترتبط أكثر بالنظريّة الثوريّة فإنّ الإجابة عن السؤال الثاني لا تكون إلاّ من الممارسة: الاستراتيجيا والتكتيك.

إنّ الإجابة لا يمكن أن تكون متسرّعة رغم أنّها بسيطة. فالمنهج الإنسانيّ الذي يحتكم إليه القوميّون يقودنا إلى أنّ مشكلة التجزئة ومشكلة الاستبداد ومشكلة الاستغلال ومشكلة الاستعمار كلّها مشكلات تخلّف يتعطّل فيها التطوّر الاجتماعيّ. يتعطّل لكنّه لا يتوقّف. لا يمكن أن يتوقّف الإنسان عن استهداف حرّيّته. إنّ نسبة اطّراد التطوّر تكون ضعيفة في ظلّ التخلّف وتكون في أعلى درجاتها في ظلّ الدولة القوميّة الموحّدة الديمقراطيّة الاشتراكيّة. غير أنّ الناس لا يكفّون في ظلّ الاستعمار عن النضال من أجل الحرّيّة وفي ظلّ التجزئة عن النضال من أجل الوحدة وفي ظلّ الاستغلال عن النضال من أجل الاشتراكيّة وفي ظلّ الاستبداد عن النضال من أجل الديمقراطيّة. فالإجابة هي أنّ القوميّين، إن كانوا قوميّين حقّا، لا يكفّون عن النضال من أجل الديمقراطيّة في ظلّ الاستبداد الإقليميّ.

كيف؟

إنّه عين سؤال الأسلوب الذي تصطدم به كلّ محاولات المرور من النظريّة إلى التطبيق أو من الفكر إلى الممارسة. كيف نناضل من أجل الديمقراطيّة في ظلّ دولة نعلم علم اليقين مسبقا أنّها لا يمكن أن تكون ديمقراطيّة؟ نعلم علم اليقين أنّها لا يمكن أن تكون ديمقراطيّة على الأقلّ لأنّها تعزل جزءا من الشعب العربيّ داخلها عن الشعب العربيّ خارجها ولأنّ جزء الشعب العربيّ داخلها وإن مارس حياته ديمقراطيّا فإنّه بذلك يستأثر بالرأي دون الجزء الآخر أو الأجزاء الأخرى. ذلك أنّ القرار المتّخذ هو قرار للمستقبل والمستقبل هو المصير المشترك ولا يمكن أن يقرّر جزء من الشعب مصيره بمعزل عن الأجزاء الأخرى ولا أن يقرّر مصير جزء الوطن الذي يقيم عليه. إذن لا يمكن أن تكون الإقليميّة ديمقراطيّة. فكيف نناضل في ظلّها من أجل الديمقراطيّة؟

لا يجب أن يخفى أنّ هذا السؤال يحتمل وجهين من الفهم أو التأويل. الوجه الأوّل أن يطرحه قوميّ تقدّميّ باحثا له عن إجابة في الفكر والممارسة، والوجه الآخر هو أن يطرحه مشكّك في المشروع القوميّ يريد الانتهاء إلى الحلّ الإقليميّ للإبقاء على تلك الكيانات المصطنعة. والفارق بين الموقفين دقيق جدّا خاصّة أنّ الموقف الثاني قد يصطنعه أدعياء القوميّة. فمن منطلق الدعوة إلى "ضرورة" النضال من أجل الديمقراطيّة في ظلّ الإقليميّة قد ينتهي الأمر إلى نضال إقليميّ من أجل دولة إقليميّة "ديمقراطيّة". فننتهي إلى عداء للوحدة العربيّة. وذلك يذكّرنا بمشكلة الترتيب بين الوحدة والاشتراكيّة. فاشتراط تحقيق الاشتراكيّة لتحقيق الوحدة هو موقف ينطوي على العداء للوحدة مهما رفع من شعارات. وكذلك قد ينطوي التمسّك بالنضال من أجل الديمقراطيّة في ظلّ الإقليميّة على موقف معاد للوحدة. نقول "قد ينطوي" لأنّ الشرط في أن لا يقف النضال من أجل الديمقراطيّة عائقا أمام الدعوة إلى، والنضال من أجل، دولة الوحدة العربيّة هو شرط "التوازن بين الاستراتيجيا والتكتيك". يجب ألاّ يتحوّل التكتيك في ظلّ الإقليميّة المستبدّة إلى هدف استراتيجيّ يغيّب عنّا هدف الوحدة الديمقراطيّة. ثمّ إنّ كلّ نضال من أجل الديمقراطيّة في ظلّ الاستبداد الإقليميّ لا ينتهي إلى حتميّة الحلّ الوحدويّ لمشكلة الديمقراطيّة في الوطن العربيّ هو "نضال مشبوه بشبهة العداء للوحدة".

زد على ذلك أنّ هناك اسطوانة يديرها "الإقليميّون من أصحاب الشعارات القوميّة": إنّها اسطوانة الطريق الديمقراطيّ إلى الوحدة العربيّة. فما المقصود بالطريق الديمقراطيّ إلى الوحدة العربيّة؟ إنّه يعني على وجه الدقّة أن نستفتي الشعب العربيّ إن كان يريد الوحدة أم لا. وهذا قول مغالط يمكن أن يقع ضحيّته السطحيّون. إنّ المقام لا يسمح بالتوسّع في الحديث لكنّنا نكتفي بالقول إنّ الثورة، وهي الطريق العلميّ إلى دولة الوحدة، ليست اختيارا متهوّرا وإنّما هي ضرورة فرضتها ظروف الواقع العربيّ التي بلغت درجة لا تتيح فيها الأنظمة القانونيّة المجال لإصلاح الوضع. ومن ثمّ فلو كان الشعب العربيّ يتمتّع بكلّ تلك الحرّيّة وبذلك القدر من القدرة على القرار لما كانت ثمّة ضرورة إلى الثورة التي هي تغيير للواقع لفائدة الأغلبيّة على غير الطريق الذي يتيحه النظام القانونيّ القائم. زد على ذلك: ماذا يعني القول إنّ بالإمكان استفتاء الشعب العربيّ عن الوحدة العربيّة؟ لا شكّ أنّ الاستفتاء هو أرقى أشكال الممارسة الديمقراطيّة التي بلغتها الإنسانيّة، لكنّ الاستفتاء يكون في حلّ مشكلات التنمية لا في حلّ مشكلات التخلّف. ومشكلة التجزئة هي مشكلة تخلّف لا مشكلة تنمية. فليست الوحدة العربيّة من كماليّات الوجود الاجتماعيّ. إنّها شرط وجود والوجود شرط التطوّر. فهل يمكن أن يستفتى إنسان بأن يقال له: هل تريد أن تكون أو لا تكون؟ إنّه الاستفتاء المستحيل.

كلّ هذا واضح ومفهوم. لكن ماذا عن النضال من أجل الديمقراطيّة في ظلّ التجزئة؟ هل سنترك الشعب العربيّ للاستبداد الإقليميّ؟ قطعا لا. لكن قبل الإجابة عن كيفيّة النضال من أجل الديمقراطيّة يجب أن نجيب عن سؤال تأجّل كثيرا: ما الديمقراطيّة التي نريد النضال من أجلها؟ عن أيّة ديمقراطيّة نتحدّث؟ وهذا هو السؤال الذي يمهّد للحديث عن أسلوب النضال. إنّ النموذج الديمقراطيّ الذي يتحدّث عنه الداعون إلى ضرورة الانخراط في النضال من أجل التحوّل الديمقراطيّ، وللأسف أنّ منهم القوميّين، هو نموذج الديمقراطيّة اللبراليّة. ودون أن نتوسّع في الموضوع نقول إنّ الديمقراطيّة في خطاب هؤلاء هي "تعدّد" الأحزاب إن كانوا من السياسيّين وهي "تعدّد" الصحف ووسائل الإعلام والنشر إن كانوا من النخبة المثقّفة وهي "حرّيّة" رأس المال إن كانوا من أصحاب رؤوس الأموال… إنّها باختصار "أشكال" ديمقراطيّة دون أن يُعتنى بمضمونها الاجتماعيّ. إنّها صناديق اقتراع ولجان فرز ومراقبون محلّيّون ودوليّون وبطاقات انتخاب واستفتاء… ليس العيب في هذه الأشكال لكنّ العيب أنّها ديمقراطيّة فيها الجرثومة اللبراليّة: جرثومة الاستبداد الديمقراطيّ.

إنّ الديمقراطيّة التي نتحدّث عنها في المقابل هي ديمقراطيّة اجتماعيّة جماعيّة. وأساس النضال من أجل هذه الديمقراطيّة هو النضال المتزامن من أجل رفع القهر الاقتصاديّ عن الناس فلا ديمقراطيّة في ظلّ الإقطاع أو الرأسماليّة، ومن أجل التحرّر فلا ديمقراطيّة في ظلّ الاستعمار، ومن أجل الوحدة فلا ديمقراطيّة في ظلّ التجزئة. ومن هنا فلا يمكن النضال من أجل الديمقراطيّة إلاّ إذا حضر في الفكر والممارسة التلازم بين الحرّيّة والوحدة والديمقراطيّة والاشتراكيّة. فكلّ خطوة تتحقّق نحو الحرّيّة هي خطوة نحو الديمقراطيّة، وكلّ خطوة نحو الوحدة هي خطوة نحو الديمقراطيّة، وكلّ خطوة نحو الاشتراكيّة هي خطوة نحو الديمقراطيّة. وإذن فكلّ مناضل في الوطن العربيّ من أجل الديمقراطيّة هو بالضرورة مناضل من أجل الحرّيّة والوحدة والاشتراكيّة. ثمّ تأتي التفاصيل. وليحدّد كلّ مناد إلى النضال من أجل الديمقراطيّة عن أيّة ديمقراطيّة يتحدّث. ثمّ يأتي السؤال: كيف نناضل؟

علي بالحاج 


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر