عن العقلانيين العرب فتحي بالحاج

كتبهاالقومي التقدمي ، في 1 مايو 2009 الساعة: 11:27 ص

 

عن العقلانيين العرب
 فتحي بالحاج
قد يأتي الوحي من غار ببرلين لكن إحضار التراتيل والأدعية غالبا ما تتم في كهوف باريس حيث خيوط العنكبوت السميكة أعدت منذ عقود. هذه الخيوط تغطي العديد من الأديرة الفكرية قد تأخذ شكل الجمعيات ومراكز البحث والرابطات.. تلتقط التائهين العرب والزائرين لأديرة الفرانكفونية ..إنهم من أبناء أمتنا.. فمنهم من اقتات من البورقيببية حتى انتفخ وصار بلا رقبة يتطاول على العروبة ويتهمها بالتخلف. يلتحف بالعقلانية وينكر وجود الأمة العربية ذاتها ويتمسح بمصطلح العربية سترا لعورة باتت مكشوفة ..بعضهم يعلن أنه أقرب إلى
أوروبا منها إلى المشرق العربي.. منهم من نهل من أسفار الانسلاخ والانبتات حتى تجده لا يعترف من كل اللغات إلا لغة "الدولة الأم" وثقافة الدولة الأم فيخجل من اللغة العربية.."لغة الإقطاع والتخلف"..فتجده يجهد نفسه في انتقاء المصطلحات لتكون قريبة من معجم فولتير وروسو لغة عصر الأنوار التي يحلم بعضهم  أن يعم إشعاعها يشعها الوطن العربي..ويسهبون هذا حديثا عن المرأة وعن الدين وعن العقل والعلمانية ونكتشف أن خزائن الأنوار فيها ظلام و ظلام  وأن مواقفهم ليست أكثر إنارة كما يحاول إيهامنا البعض في المرأة وفي حرية الدين والمعتقد وفي العبودية ونكتشف أن مواقف بعضهم روسو كانت أكثر تخلفا ..ويحدثوننا عن العبودية ونكتشف من خزائن التاريخ أن مواقفهم ليست أكثر إشعاعا.. ويسهب في الحديث عن الأبطال والأمازيغ ، عن عليسة وعن صدر بعل وشجاعتهم في إيقاف الزحف العربي..وتجد من ارتقى إلى درجة داعية من دعاة التفتيت بعد سنوات التكوين في مدرسة سايس بيكو الفتيّة فيفتي في حق الصحراويين وفي حق الأقليات ويحدثك عن بطولات في مواجهة الغزو العربي…وآخرون من الشرق الجريح حيث يختلط الحابل بالنابل فحولوا شهر آذار شهر يوم الأرض  شهرا يحتفل به أحفاد بولتون..ويكتشف بعض المتفقهين وفلاسفة الهزيمة "تخلف" شعب سوريا لأنه لم يكتشف بعد شعار الانعتاق من حالة الستينات العاطفية اللاعقلانية.. وأن شعار سوريا أولا هو شعار المرحلة..ياخسارتكم يا "أهل سوريا" .. لم تنعموا  بما نعم به شعب مصر عندما رفع السادات لشعار.. مصر أولا.. وأن شعب سوريا مازال متمسكا بشعارات الستينات.. "فغباءه" جعله لم يفهم نسمات الحرية والديمقراطية التي يتمتع بها شعب العراق الجريح..كل هذا تجده عند العقلانيين العرب…في الستينات "هلكونا" بالنظرة العلمية والمنهج العلمي الوحيد ضاربين أي اجتهاد بالتخلف وباللاعلمية وكبلوا اجتهادات الناس فإما تتبنى أطروحاتهم ومنهجهم العلمي الوحيد وإلا فإنهم فانك لا تنتمي الى معشرالعلميين.. هانحن من جديد أمام  أحفاد الماضي  يحاولون إعادة نفس الطريقة ونفس الأسلوب النغمة القديمة بتعبير جديد "العقلانية نحن" وكل ما خالفهم هو ليس عقلاني.. والعارفين باللغة العربية وثراءها يعرفون معنى التعريف بالألف واللام  إذا لم تكن منهم فيالحلقة ومعهم في الدير فأنت لست بعقلاني..إنهم "العقلانيون العرب" كم هو مفجع ومخيف هذا الذي نشهد حيث تندمج فيه الكوميديا بالتراجيديا.. لا تسال عن العقلانية وعن العقلانيين العرب  وعن مقاومة التطرف وعن الدعوات العقلانية وعن فصل الدين عن السياسة وعن العلمانية والحداثة والمعاصرة والتمدن.. ولا تبحث عن الإجابة فذلك من اختصاص أهل العقل الوحيدين  أصحاب الرسالة "الربانية" .. أما أنت فلا..أنت لا تصلح..  وتتصفح أسماء المدعوين والحاضرين وتتساءل كيف تم تجميعهم وعما هم ملتقون..فمنهم من المدافعين عن العولمة ولا يتركون منبرا إلا وهاجموا تيار الهوية ونعتوا العروبة بالتخلف ودعوا إلى تفكيك روابطنا الاجتماعية مرة باسم الفردية ومرة باسم الحرية الشخصية ومرة باسم التنوير ومرة باسم تحرير المرأة  من بينهم من يسهب في الحديث عن ضرورة الابتعاد عن العروبة تحت شعارات الإنسانية والعالمية ويدعون إلى تفكيك الأمة على أسس قبلية واثنيه وعرقية تحت شعارات حقوق الإنسان؟؟؟ وتتساءل خوفا على مستقبل الأمة وشفقة بالذين يقدمون أنفسهم "العقلانيين العرب" ما هي حدود العقلانية؟ وماذا تعني العروبة؟
 
أول ما تبادر إلى ذهني التسمية.
 
العقلانيين هم الذين يستعملون العقل في فهم الظواهر الاجتماعية والمادية ويفسرونها بقدر ما يتيحها التقدم البشري في مجال المعرفة والعلم. والعقل ليس كتلة جامدة وليس مرحلة محددة بل تخضع مثلها مثل كل المواهب الإنسانية للنمو والتطور. فهذه الصيغة النامية المتطورة تعبر عن المراحل التي قطعتها الإنسانية في ميدان مواجهة الواقع من أجل السيطرة على الظواهر المادية والاجتماعية. لقد حققت الإنسانية انتصارات في هذا المجال غير أنه مازال شوطا كبيرا وهناك العديد من الظواهر التي مازال العقل والمعرفة العلمية لم تفهمها ولم تفسرها إن عدم مقدرتها الآن على تفسيرها لا يعني أنها غير قابلة للفهم  ولكن بل أن التطور البشري لم يتوصل إلى فهمها…وغالبا ما نطلق على المجهول الميتافيزيقا..
وينتشر العقلانيون على امتداد الأرض ويتميزون بانتماءاتهم القومية فمنهم الصينيون ومن الأمريكيون ومن الفرنسيون واليابانيون ومنهم العرب..التميز القومي لم يأتي اعتباط أو تعبير عن رغبة ذاتية  بل تعبير عن العقلانية ذاتها لأنه يحدد نسبة ومجال التطور العقلي ومجال النشاط العقلي في زمان معين ومكان معين..والسؤال المطروح هنا هو ما يميز هؤلاء العرب عن غيرهم من العقلانيين في الأرض؟
 لاشك إنه الذي التاريخ أي مجمل الظروف السياسية والاجتماعية التي شكلتهم وشكلت عقلانيته ووعيهم. " لذا إن ما يميز العقلانيين العرب عن غيرهم هو مدى تمسك والتصاق هؤلاء العقلانيين بواقعهم العربي ليعبروا عن الواقع العربي كما يعيشونه أي نشاطهم أولا في الحقل الذي يثير  مجمل المشكلات التي يثيرها هذا الواقع  الذي يعيش فيه المجموعة التي يٌطلق عليها الآخرون عرب وبهذه المشكلات يتميز العرب عن المجتمعات الأخرى.. هذا لا ينفي أنهم قد يشتركون في مشكلات قضايا إنسانية مع مجتمعات أخرى أو مع بعض المجتمعات الإنسانية..هذا لينتقص من تميزهم كمجموعة بشرية عن الآخرين..  لا كما يتصورونه.فهل يعقل أن يتحدث العقلانيين العرب عن هزيمة 67 دون التطرق إلى الذين أ قاموا بالجريمة ودون الإشارة ساهموا وخططوا ومولوا وتحالفوا مع المجرمين هل يمكن للعقلانيين العرب وهم يملكون عقل أن يسكتوا أو يغضوا الطرف على الذين صمتوا على المجرمين..؟؟هل يعقل للعقلانيين العرب أن يتحدثوا عن المواطنة وعن الديمقراطية وحقوق الإنسان دون التطرق إلى الوطن الذي جزء منه مستوطن وجزء آخر محتل وما تبقى تغطيه عمائم الاستبداد تحت حراسة قواعد عسكرية..وهل يعقل أن يصمت العقلانيين العرب عن المحتلين والذين ساندوا الاحتلال والذين حضروا حفلات الاحتلال تحت شعار الثقافة والمثقفين..كيف يمكن أن نلغي الجماعة لصالح الفرد؟.. ومتى كانت الحداثة مقترنة بالفردية كفلسفة؟.  إن الحداثة التي يدعون إليها هي حداثة الحضارات التي ترتكز على الفرد أما حضارتنا هي حضارة الجماعة ما معنى هذه المصادرة الغريبة من أن صيرورة الحداثة لا تنطلق من الجماعة بل تنطلق من الفردية المستقلة..
لذلك نرى أن العقلانيين العرب هم أولا الذين يرون ويؤكدون أن هناك كتلة تاريخية محددة تاريخيا وجغرافيا اسمها العرب. نترك للمترفين فكريا والذين لهم متسعا من الوقت ليتجادلوا في تسميها هل نسميه  "عالم" عربي أم "منطقة" عربية أم  وطن عربي هل هو مجتمع عربي "مجتمعات" عربية أمة عربية….الخثانيا إن هذه الكتلة المتميزة الذي يٌطلق عليها كل شعوب وأمم العالم عرب ويشير إليها ويخطط لها على أساس أنهم عرب هم أمة عربية واحدة وحّد الزمان ظروفها ووقعت في قبضة قوى متوحشة ضارية نهبت خيراتها وأعاقت تقدمها وتواصلها الحضاري.. جزأها وفتتها الاستعمار على أسس قبلية والعقلانيين العرب هم الذين يعملون في اتجاه وحدتها وتحرير أرضها وبناء دولتها القومية على كامل أرضها العربية..لقد أعطت هذه الكتلة  المسماة عربية ضريبة الدم وضحت يوم ضحت في مواجهة القوى الباغية تحت راية وحدتها واتحادها وتحررت يوم تحررت عندما وحدت أهدافها وتعاونت وتضامنت وسقطت يوم سقطت وفقدت استقلالها يوم فرطت في وحدتها أن هذه الكتلة تخضع الآن كلية تحت قدم القوى الغازية وتخضع لإرادة قوى الهيمنة العالمية لأنها فشلت في استكمال مشروع تحررها يوم تلكأت في مشروع وحدتها وهادنت القوى المرتبطة بقوى الهيمنة  عصب قوى الهيمنة..وانهارت يوم ساومت وفاوضت على اغتصاب أرضها ووقعت وثيقة استعبادها يوم قبلت أن يكون الجلاد حكما في صراع يتمحور حول وجود..ثالثا العقلانيين العرب هم الذين ينطلقون الآن من واقع العرب الذين ينتمون إليهم.. فيرفضون علنا قوى الاستعمار والهيمنة التي تتواجد على كامل الأرض بعضها ظاهر وبعضها خفي وأن الوطن مقسم بين مشايخ وملوك ورؤساء ملوك وأمراء  هم الذين يرفضون زيارة السفارات والدوائر الأجنبية  فالسفراء يقومون بدور المقيم العام أو المندوب السامي ويتصرفون في شؤوننا تصرفهم في شؤونهم العائلية  فيوجهون الأوامر إلى الصحف ويحددون مضمون مقالات الصحافيين ويستقبلون المعارضة لحفلات شاي  ولوليمة عشاء دسم..ويسمون هذا  علاقات عامة رابعا:  العقلانيين العرب هم الذين يملكون عقلا به يميزون  بين مفهوم الاحتلال والاستقلال بين السلام والاستسلام هم الذين يربطون بين الاستبداد والهيمنة..ويعلنون هذا ويصدعون به .. العقلانيون العرب هم الذين يرفضون الهزيمة قدرا عربيا.. هم الذين لا يستبدلون ظلام السلفية بخراب الاستبداد العقلانيين العرب لا يمكن أن يفهموا الحرية والديمقراطية بعيدا عن بعدها الوطني والقومي..فالحرية هي حرية الوطن والمواطن والديمقراطية هي الاشتراك في الاقتصاد والسياسة..العقلانيون العرب هم الذين لا يرون حداثة في ظل الهيمنة الأجنبية وأن أية حداثة عربية لا يمكن لها النجاح والبقاء الا في ظل التحرير والوحدة..العقلانيين العرب هم الذين يقرؤون التاريخ العربي المعاصر .. ينطلقون من أن إمكانية الحداثة للأمة العربية أرضا وشعبا كلية  في قبضة القوى الاستعمارية، إن كل إمكانيات التقدم الاجتماعي المتاحة في الأرض العربية مسلوبة ومسخرة لخدمة القوى الغازية ومقسمة فيما بينها تحت حراسة القوى الغازية المنتشرة على طول الوطن العربي  وأن أول خطوات الحداثة  هو استخدام العقل لتحرير هذه الإمكانيات من قبضة القوى المعادية لذا نرى أن دورهم هو ان يعيدوا للكلمة المقاومة وهجها ولمشروع التحرر الوطني العربي حيويته ونشاطه  تلك هي عين العقلانية في هذه الفترة الحرجة من تاريخ أمتنا وما عاداها هو افتعال معارك هامشية تضعف مسيرتنا في طريق التحرير.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر